|
تعتبر السكة حديد من وسائل النقل الرئيسية حاضراً ومستقبلاً
وذلك لمزاياها المتفردة حيث أظهرت الدراسات العالمية التي
أجريت في هذا المجال أن النقليات في الدول المتطورة تستهلك
حوالي 25% من طاقة البلد (أكثر من 40% من إستهلاك البترول)
بينما تستهلك السكة حديد أكثر بقليل من 1%. كما أظهرت الدراسات
أن السكة حديد أكثر أماناً للمسافيرن والمنقولات حيث أظهر
تحليل إحصائيات الحوادث في العالم خلال فترة طويلة أن أمان
النقل بالسكة حديد والجو والطريق يقع ضمن نسب قدرها 1 ، 10 ،
100.
هذه المزايا والتفوق النوعي لبض السكك الحديدية لم يأتي إلا
بعد مجهودات تنموية وإستثمارات ضخمة وتطورات هائلة شهدها قطاع
السكة حديد. فالسرعات الكبيرة أمكن تحقيقها بعد تشييد بنية
تحتية ذات قدرات كبيرة وقوى سحب ونقل ذات إمكانيات هائلة، كذلك
الحال بالنسبة لمزايا الأمان وتخفيض الأضرار وتوفير الطاقة.
دور السكة حديد في دعم النشاط الثقافي
والسياسي في السودان:
لقد تركت السكة الحديد آثاراً عميقة علي الحياة الإقتصادية
والإجتماعية والسياسية السودانية، فإقترن النمو الإقتصادي
والإجتماعي والثقافي بنمو السكة الحديد، فحدث التوسع في
الزراعة، وتنوعت المحاصيل، وإذدهر العمل التجاري وإرتفعت
معدلات الصادر والوارد، وإطردت حركة العمران وتحركات المواطنين،
كما أصبحت السكة الحديد أكثر المصالح الحكومية إسهاماً في
الميزانية العامة، الأمر الذي مكن الحكومة من الصرف علي خدمات
الصحة والتعليم والري والمواصلات...الخ.
ولقد تضافرت عدة عوامل مكنت المصلحة من القيام بذلك
الدور أهمها:
1/
كونها من أقدم أشكال النقل البري الحديث الذي دخل
السودان وذلك منذ عام 1873م في عهد خديوي مصر إسماعيل باشا
(1863 - 1879).
2/ طبيعتها
القومية، إذ أنها تنتشر خلافاً لوسائل المواصلات الأخرى في كل
أقاليم السودان بلا إستثناء.
3/ كونها من
أرخص وسائل المواصلات وأكثرها فعالية.
4/ إحتكارها لسوق النقل في السودان لمدة طويلة، ظلت خلالها
تحتكر النقل البري والنهري والجوي لبعض الوقت (1946-1952).
وعلي خلفية ذلك فقد لعبت المصلحة دوراً كبيراً في دعم النشاط
الثقافي والسياسي بالبلاد، وأرست من ثم مقومات ثقافية وسياسية
وقومية تم نقلها من خلال العابرين لأغراض التجارة أو التعليم
أو السياحة أو بغرض التواصل الإنساني عموماً. وهكذا ساهمت
السكة الحديد في إنتقال المواطنين وطلاب العلم داخل وخارج
البلاد، وفي نقل الثقافة إلي السودان، إذ ظلت الصحف والمجلات
والكتب المصرية ترد إلي السودان بلا إنقطاع منذ الحرب العالمية
الأولى. وليس من شك أن ورود مثل تلك المطبوعات وتدفقها إلي
السودان كان له أثر بالغ الخطر في الفكر والسياسة والثقافة.
وكان من أهم تلك المجلات والصحف التي تصل إلي السودان ويقبل
عليها السودانيون السياسة الأسبوعية لمحمد حسنين هيكل،
والرسالة لأحمد حسن الزيات، ومجلة أبولو لأحمد زكي أبوشادي,
ولقد كان من أهداف جمعية الإتحاد السوداني والتي تأسست عام
1922م إرسال الطلبة السودانيين خفية إلي مصر للتزود بالعلم
والمعرفة. وكان التطلع للهجرة خارج السودان للحصول علي مزيد من
المعرفة والثقافة جريمة نكراء.
وعلي صعيد متصل فقد إنتشر الوعي بين القيادة العمالية في عطبرة
– مركز السكة الحديد – في فترة مابعد الحرب العالمية الثانية
نسبة لإنتشار الأخبار وشيوع الأفكار عن طريق الإذاعة والصحف
وإزدياد عدد المتعلمين من الصناع والعمال. وكانت الصحف
والمجلات المصرية مثل الأهرام والمصور والهلال والعمل وغيرها
ترد بصورة منتظمة لمدينة عطبرة – قصبة السكة الحديد وقلبها
النابض.
ومن جهة أخرى كانت السكة الحديد أحد أهم مرتكزات العمل السياسي
بالبلاد. ففي ساحاتها العامرة نشأ العمل النقابي وتطور وذلك
منذ أن نجح العمال في عام 1946م في تكوين هيئة شؤون العمال -
أول تنظيم نقابي بالبلاد وذلك بمدينة عطبرة – مركز السكة
الحديد – وفي الفترة ما بين (1946 - 1955) ظل التنظيم النقابي
يسهم بجانب الحركة الوطنية ممثلة في الأحزاب السياسية
السودانية في النضال الوطني ومسيرة البلاد نحو الحكم الذاتي
1853م ثم الإستقلال في مطلع العام 1956م.
وهكذا كان العمال وحركتهم النقابية أحد الشواهد الحية علي صدق
ما قيل من أن النتيجة النهائية لتشييد السكك الحديدية
والمحاولات المستمرة لتحسين وتطوير وسائل المواصلات في
المستعمرات كانت غير متوقعة. ذلك أن تلك التحسينات التي أدت في
بداية الأمر لإمتلاك المستعمرات، خلقت في نهاية المطاف العروف
والعوامل التي أسهمت في الإطاحة بالإستعمار. |