|
جاء نشوء
الصحافة مرتبطاً بالتطور الثقافي للحياة الإجتماعية والسياسية في
السودان. فبعد منشورات الإمام المهدي، ودخول الإستعمار تأسست جريدة
السودان، ثم رائد السودان وصولاً إلى حضارة السودان. صحافة تقريرية
حكومية، تهتم بأخبار الحكام ودوائرهم، ولاتعبأ بظواهر الحياة
الإجتماعية، ولا بعلاقة هذه الظواهر المتنوعة بحالة الإنتاج والثروة
الناتجة منه وتوزيعهما والحكم القائم على هذا التوزيع وبه. فمنذ صدعت
الحالة الإستعمارية مبادئي الثورات البرجوازية في العالم الأوربي، ثم
جاء القرن العشرين والحرب العالمية الأولي وذيوع مباديء ويلسون في حق
الأمم في تقرير المصير، وتصدع دولة الخلافة الإسلامية بطابعها المركزي
الإقطاعي، وإندلاع الثورة الإشتراكية وهزيمتها للطغيان النازي
للرأسمالية وتطور حركات التحرر الوطني من الإستعمار وتطور الحياة
الإقتصادية والمشاعر القومية في المستعمرات مع تحطم نمط الإنتاج
التقليدي وتصاعد إتجاهات تفكير الناس في المعاش والمستقبل معادله
ومظالمه. دخل السودان مرحلة جديدة.
وفي عالم المطبوعات في السودان تصاعدت حرب المنشورات بين جناحي القوة
السودانية الإصلاحي الرامي للتطور بإنفراد الإنكليز بحكم السودان،
والثوري المرتبط بإتحاد شعبي وادي النيل في حركة تقدمية للجلاء والتمدن
تتجاوز زعماء الطوائف والمفاهيم التقليدية. بشكل عبر عنه إنبثاق الحركة
الجماهيرية لجمعية اللواء الأبيض المدنية العسكرية في الأول من مايو
1924، وحتى تصفيتها دموياً في ديسمبر 1924، وإتجاه المثقفين من ثم إلى
حلقات الإعداد الأدبي والثقافي وجمعيات الأراء. مما أظهر الحاجة إلى
صحافة لاتقريرية تكشف بواطن الأزمات في السودان ولاتكتف بعرض الجزء
الفوقي من أحداثها.
وكان الإستعمار الإنكليزي قد تعمد فصل المتمدنين عن أهل الريف
والمدنيين عن العسكريين والتقليدين والزعماء عن المثقفين الأمر الذي
توطد بالإختلاف الموضوعي لسبل التطور وتحقيق المصالح بين هذي القوى في
المجتمع. وفي هذا السياق ظهرت الجريدة التجارية لسليمان داؤد منديل،
كمعبر مباشر عن البرجوازية السودانية، وإهتماماتها التجارية دون ان
تظهر مقابلها جريدة تعبر عن مصالح الوطنيين والكادحين السودانيين، مما
دفع الكثيرين للصحافة المصرية يتلمسون فيها الأدب والروح القومية في
مواجهة الخواجات.
وصدر أول قانون للصحافة يوم 25 سبتمبر1930 (عدد الغازيته534)، ولائحة
المطبوعات في 15-03-1931(عدد الغازيته 760) وشمل ذلك أول إنتاج وإصدار
وإستيراد وبيع أي مواد تشتمل على أخبار وعرض حوادث أو ملاحظات أو
تعليقات توزع دورياً وحكم مثل هذا العمل برخصة وتأمين تعجيزي قدره مآئة
جنيه تم رفعه لخمسمآئة جنيه، بحيث تتحكم الحكومة /الإستعمار بحياة
الصحيفة ثم شمل الأمر المطابع واستثنيت منه المكتبات! ثم أدخلت الصحف
والكتب والمقالات وكافة المطبوعات ضمن دائرة البضائع المحظورة والمهربة،
ثم وثقت أغلال الصحافة بمواد إثارة الكراهية ضد الحكومة (105)
ومتواليتها في قوانين العقوبات، كقوانين الجمعيات غير المشروعة.
وخنقاً للتفتح الشعبي والكفاح الإتحادي وتغبيشاً للوعي تم تضييق
التعليم الأولي وتوسيع التعليم في كلية غردون طرداً للمصريين من
السودان وتدجيناً بوظائفهم للمتعلمين السودانيين فضوعف عدد طلاب غردون
إلى 555، ورغم ذلك كانت الصحف والمجلات المصرية تحقق بسهولة مبيعات تصل
إلى خمسمائة نسخة.
ثم جاء تأسيس جريدة النهضة السودانية، بواسطة الأستاذ محمد عباس أبو
الريش، فاتحة لعصر جديد، كتب فيها مجموعة من الرفاق تجمعهم الآمال
الوطنية والثقافة التمدنية، وفيها كتب محمد أحمد المحجوب حول النهضة
والقضاء على حصون الرجعية، ومحمد عشري الصديق حول الأدب الوطني ودوره
الثوري، وإسماعيل العتباني حول الشباب ككتاب للأمة في المستقبل، وعرفات
محمد عبد الله، حول الأخلاق فرديها المعتاد وساميها المتعلق بالنظام
وحب العمل وتعليم النساء، وكتب حمدي عن أهمية تعليم المرأة والإختلاط
وحريتها في إختيار الزواج، كما كتب شخص سمى نفسه رجعي ضد التعليم
اللاديني، وضد تعليـم المرأة ثم ضد حقها في الإختلاط لإختيار زوجها.
بينما كتب أحمد يوسف هاشم ومحمد علي كل على حدة عن تأجيل النقاش حول
الحجاب والسفور لحين معالجة عموم أحوال التأخر في السودان. وتبلورت
جهود النهضة في الدعوة لمشروع القرش.
بعد ذلك كان تأسيس مؤتمر الخريجين في 1936بقيادة إبراهيم أحمد، وطلوع
جريدة الفجر ثم جريان جريدة النيل وتبلور الصراع بين التيارين
التجريبيين في السياسة السودانية النفعي منهما والثائر. حتى جاء نشاط
الحركة العمالية بشقيها النقابي والسياسي وتأسس إتحاد الصحافيين
السودانيين في أكتوبر 1946، وتأسيس الإتحادات والجمعيات والأندية
وتصاعد الكفاح لأجل الإستقلال مولدا النهوض الوطني ضد الجمعية
التشريعية للزعماء التقليديين، فريادة الوطنيين السودانيين في كفاح
الشعب المصري ضد الإستعمار والملك بقيادة الجبهة المتحدة للطلبة
والعمال والفلاحين والموظفين والجنود، وفي قلب الجبهة كانت الحركة
الديمقراطية للتحرر الوطني والحركة المصرية للتحرر الوطني حيث ولد
الكفاح المشترك ثورة 23يوليو 1952 التي أقرت للسودانيين بحق تقرير
المصير، وقبلت من حلفاءها في الجنوب إعلان الإستقلال. مما بث في حركة
التحرر الوطني في أرجاء العالم وفي الجماهير السودانية نغمة الإنتصار،
وأشرق عليها بآفاق جديدة.
|