|
تمتد ولاية نهر
النيل على جانبي
نهر النيل الذي يجري في
الولاية من الجنوب إلى الشمال وتسكنه مجموعة مجموعات قبلية مثل المناصير ، الرباطاب
، الميرفاب ،
الجعليين ويشكل هؤلاء معظم سكان
الولاية ويدعون الإنتساب إلى الأصل العربي ويتحدثون اللغة العربية هذا على الرغم من
أن بعض الباحثين يرى انهم
نوبيين مستعربون فقد كانت هذه
المنطقة جزءا من بلاد النوبة التي تمتد تاريخيا من شلال أسوان في مصر حتى
الخرطوم
لتنحسر الآن في حدودها الحالية مابين الشلال الأول ومشارف الدبة وكورتي في السودان
. وإضافة إلى هذه العناصر فقد شهدت المنطقة نزوح عناصر سكانية أخرى.
تعرضت هذه المنطقة
إلى تيارات ثقافية مختلفة إذ تعرضت للأثر المصري في فترة المملكة المصرية الحديثة
(1552 ق.م - 1069 ق.م) حيث أقام الملك تحتمس الأول مسلته في كرقس ، قرية بالقرب من
أبي حمد. ثم الحضارة المروية (530 ق.م - 350م) ثم العصر
المسيحي (560م - 1504م) تلا
ذلك دخول العرب المسلمين إلى السودان وكانت هذه نقطة تحول في تاريخ المنطقة إذ
استقر بعض العرب الوافدين في بلاد النوبة وتزاوجوا مع السكان المحليين وأخذوا عنهم
اللغة المحلية تاركين لغتهم وثقافتهم العربية ونظرا لأن بلاد النوبة لم تقر العرب
الوافدين بالإستقرار فيها لطبيعتها القاسية فقد واصل بعضهم الزحف إلى داخل البلاد
حيث المراعي الواسعة فحافظت بذلك على لغتها بينما نزلت مجموعات أخرى على النيل ولما
كانت لغتهم البدوية لا سعفهم على التعبير عن البيئة الزراعية الجديدة فقد أخذوا بعض
مفردات اللغة النوبية التي استقرت في جوف العامة السودانية.
فقد كانت هذه
المنطقة بوتقة انصهار لتيارات ثقافية متعددة نتج عنها تمازج ثقافي يتضح في كثير من
جوانب الحياة .
أسماء الأماكن في ولاية نهر النيل
هناك أسماء تعكس
مؤثرات عربية وأخرى تعكس مؤثرات غير عربية:
أولا : المؤثرات
العربية
ويكاد أن يكون هو
الأثر الغالب على أسماء الأماكن في مجتمع الدراسة وينسجم هذا مع التركيبة السكانية
الحالية للمنطقة التي تغلب فيها عناصر تدعي الأصل العربي وتتحدث اللغة العربية .
وبالنظر في أسماء
الأماكن التي تعكس مؤثرات عربية نجدها تتدرج تحت الأقسام التالية:-
1/ الأشجار
والنباتات:
تلعب البيئة
الطبيعية بما تحوي من أشجار وأنهار و وديان وتلال دورا ملموسا في تسمية الأماكن في
السودان ذلك وأن تسمية الاماكن بأسماء الأشجار أمر مالوف وشائع مثل (أبو عدارة) ، (المحيريبة)
وكلاهما في منطقة الجزيرة وتنسبان إلى نباتات (العدار) و (المحريب) تباعا ولقد أورد
حسن مصطفى حسن ستمائة و واحد من المواقع الجغرافية في السودان تنسب إلى البيئة
النباتية.
وقياسا على ذلك فقد
لوحظ وجود أسماء أماكن منسوبة للأشجار والنباتات في ولاية نهر النيل أيضا مثل (السيال)
وهي قرية السي الشمال من المتمة ويلاحظ العابر للقرية وجود أشجار السيال فيها وبشكل
ملحوظ مما يحمل على الظن بأن القرية أخذت اسمها من بيئة الأشجار ممن حولها هذا غلى
جانب أسماء أخرى مثل (سروب) ، (السلمة) ، (السيالة). وفي محافظة شندي أيضا قريتي (المسيكتاب)
شمال وجنوب مدينة شندي ، واستنادا على الروايات الشفوية فإن التسمية ترجع إلى جزيرة
مسكيت على مقربة من المسيكتاب اجنوب اهداها الملك عجيب المانجلك إلى الفكي حسين ود
علي جد المسيكتاب الحاليين الذي كان يفتيه في بعض الأمور الدينية فأقام فيها وذريته
من بعده ثم توجه بعضهم شمال مدينة شندي لاحقا ليؤسسوا قرية المسيكتاب الحالية شمال
المدينة.
2/ القيزان
ويقصد بها الكثبان
والتلال الرملية ومن الملاحظ في خريطة ولاية نهر النيل أن كلمة قوز ترد أكثر ماترد
في أسماء الاماكن على الضفة الغربية وربما كان هذا انعكاسا للبيئة الطبيعية فيها إذ
ترد أسماء أماكن مثل : (قوز عمر) ، (قوز بدر) ، (قوز برة) ، (قوز جبة) وكلها في
محافظة المتمة إلى الغرب من
نهر النيل.
3/الجمادات
ولا يقتصر أثر
البيئة الطبيعية على القيزان والأشجار وإنما يتجاوزها إلى الجمادات إذ ترد أسماء
جمادات في بعض أسماء الأماكن مثل (حجر الطير) ، (حجر العسل) في محافظتي المتمة
وشندي تباعا. وربما كان هذا أيضا تعبير عن طبيعة المنطقة الصخرية.
4/دلالات
طبوغرافية
تعكس بعض أسماء
الأماكن خصائص البيئة التي تحيط بها ومن هذه الأسماء(قرية خراب) بمنطقة الميرفاب
إشارة إلى حطام مباني يرجح أنها من مخلفات
المسيحية ورغما عن تعديل الاسم مؤخرا من
خراب إلى طيبة فإن الاسم القديم مازال طاغيا وربما كان ذلك لارتباطاته ببيئة
المنطقة جانب آخر ان الاسم الجديد لا يعكس شيئا من البيئة المحيطة بالقرية.
5/ العامل الديني
عرفت هذه المنطقة
بانتشار الخلاوي في أماكن متفرقة من أجزائه مثل قوز المطرق إلى الجنوب من مدينة
شندي إلى أن جاءها الشيخ محمد سرحان المشهور بصغيرون واسس فيها خلوة لتدريس القرآن
وقصدها الطلاب ليتحول اسم القرية من قوز المطرق إلى (قوز العلم).
وهناك أيضا (الحجازة)
جزء من حي شندي فوق الحالية وتنسب إلى الفكي بابكر الكبير المسمى بالحجازي لأنه مكث
بالحجاز اثنى عشر سنة وعاد ليؤسس المسجد الموجود إلى اليوم وكان ذلك حوالي 970هـ .
ومن أسماء الأماكن
التي ارتبطت بشخصيات دينية أيضا (قرية الكتياب) المنسوبة إلى أحمد كتي أو أبي كتاب
الذي لم يكن يود مفارقة المصحف فكان يعلقه في رقبته .
وكذلك (قرية
البواليد) التي تقع جنوب المتمة ومنسوبة إلى الشيخ إبراهيم بن جابر البولادي الذي
قدم إليها من دار الشايقية وأقام خلوة لتدريس القرآن.
6/ أسماء الأعلام
تلعب بعض الشخصيات
دور هام في تأسيس بعض القرى والمجمعات السكانية لما يتمتعون به من نفوذ سياسي أو
مالي مما يدعو إلى نسبة الأماكن إليهم والأمثلة كثيرة في السودان مثل مدينتي (الجيلي)
، (الحاج عبد الله).
وفي ولاية نهر النيل
توجد أماكن كثيرة تنسب إلى أعلام ، غالبا ماتكون أسماء مؤسسيها مثل (قرية المغاوير)
في محلية الريف الشمالي لمحافظة المتمة المنسوبة إلى مؤسسها محمد المغواري الذي قدم
إليها من الزيداب بالقرب من الدامر بعد أن قتل ابن عمه هناك ليقيم وذريته من بعده
في قرية المغاوير التي أخذت اسمها من اسم محمد المغواري .
وإلى الجنوب من
المغاوير تقع قرية الصفر نسبة إلى ملكها الأصفر نسبة بن عبد عبد المعبود بن عرمان.
وإلى الجنوب منها
(قرية النوراب) نسبة إلى مؤسسها أحمد النور وكانت تسمى من قبل قرية مكوار وتجاور
النوراب من الجنوب قرية الصوارد التي ورد في الروايات أن سكانها نزحوا من ديار
السكوت والمحس.
أما قرية الجبلاب
فذكر أنها أخذت اسمها من مؤسسها محمد بن عرمان المكني بجبل لأنه كان كثير التجوال
والنقش في الجبل وتزوج من عديلة ابنة الملك الفونج واستقر بمنطقة الجبلاب الحالية
التي كانت تسمى عنئذ قوز الفقهاء ويقيم فيها محمد القراي جد أهالي طيبة الخواض
الحاليين وحدث هذا في حوالي القرن العاشر الميلادي .
وفي شمال ولاية نهر
النيل تنتشر قرى مثل (حلة يونس) في ضواحي بربر حيث تذكر المصادر أن القائد المهدوي
يونس ود الدكيم عسكر فيها.
7/ أسماء قبلية
بعض أسماء الأماكن
عكست دلالات قبلية كدليل على الهجرات والتحركات السكانية فمثلا (قرية الشايقية)
بمحافظة المتمة وكذلك (حي القرداب) بشندي فوق والقرداب بطن من بطون الشايقية.
ثانيا : مؤثرات غير
عربية
1/مؤثرات نوبية
كانت هذه المنطقة
جزءا من بلاد النوبة وقد لاحظ علي عثمان محمد صالح وجود رواسب نوبية في لغة
الشايقية التي تسكن إلى الشمال من هذه المنطقة ويضيف إلى أن هذه الألفاظ تقل كلما
اتجهنا جنوبا
وفيما يتعلق بأسماء
الأماكن يشير عباس سيد أحمد إلى وجود أسماء نوبية مثل (كدْارمة) بمعنى الحجر
الأسود في النوبة المحسية هذا إلى جانب اسم الجزيرة (مقرات) التذي تضاربت حوله
الآراء فمنهم من قال أنه يرجع إلى (مقن ارتي) أي جزيرة التيس في نوبية أهل المحس و
يميل عباس إلى الأخذ بهذا الرأي بدليل وجود جزيرة أخرى مجاورة لها تحمل اسم (برتكول)
أي جزيرة التيس أيضا بنوبية أهلا
دنقلا ويذكر أسماء أخرى مثل (فلكول)
ويردها إلى أصل نوبي.
أما أحمد المعتصم
فيشير إلى رواسب نوبية في أسماء الأماكن في منطقة الرباطاب مثل كنزي ، كديته ،
كركدي ، كجننقيلي و سبوبة.
وتشير الدراسات إلى
وجود رواسب نوبية في أسماء الأماكن في الرباطاب مثل (أمكي) التي يٌرى أنها مؤلفة من
مقطعين نوبيين هما (أم) بمعنى ماء و (كي) بمعنى مكان فيكون معنى المقطعين معا مكان
الماء.
وإلى الجنوب من
مقرات تقع منطقة الشريك حيث أشارت الدراسات الأخيرة إلى تلمس بقايا رواسب نوبية في
أسماء الأماكن مثل (الباقير) وينعكس الأثر النوبي في المنطقة جنوب نهر النيل مثل (ارتولي)
بالقرب من الباوقة
وهناك بربر التي
يردها
عون الشريف قاسم إلى أصل نوبي بمعنى البريين المقاتلين فيما يردها آخرون
إلى الملكة بربارة .
وعلى مقربة من بربر
تقع (قرية دانقيل) بمعنى الطوب الأحمر في النوبية وهي المدينة التي اتخذتها الملكة
بربارة عاصمة لحكمها.
وفي ضواحي مدينة
شندي الحالية يبدو الأثر النوبي في أسماء بعض الأماكن مثل (حلة الكنوز) في منطقة
الشقالوة إلى الشمال من مدينة شندي ومايزال سكانها يتحدثون لغتهم الأم غلى جانب
اللغة العربية ويبدو أنهم نتاج هجرة متأخرة من جنوب مصر حيث يقيم الكنوز وهم
ينتسبون إلى أبي المكارم هبة الله الذي لقب بكنز ادولة مكافأة له على مساعدته في
القبض على الوليد بن هشام بن عبد الملك الخارج على حكم الفاطميين ويسكن الكنوز
حاليا في المنطقة الممتدة من اسوان وحتى كرسكو في بلاد النوبة المصرية ولهم لغتهم
المحلية بخلاف اللغة العربية وهم نتاج تزاوج عرب ربيعة الوافدين مع السكان المحليين
وهكذا أخذت كلمة كنوز وهي في الأصل مشتقة من لقب عربي مدلولا عرقيا واثنيا .
أما (قرية قندتو)
الواقعة جنوب شندي ينسبها بعضهم إلى أصل نوبي بمعنى أم شوك ويرجع من هذا الراي وجود
الأشجار بالمنطقة يضاف إلى ذلك ماورد في بعض الروايات بأن سكان المنطقة كانوا من
النوبيين الوافدين من شمال السودان.
وإلى جانب القرى فإن
هناك أسماء جبال مثل (جبل الكدركول) إلى الغرب من شندي ويردها بعضهم إلى أصل نوبي.
2/ مؤثرات فونجية
هناك مؤثرات فونجية
أثرت على أسماء الأماكن كما يبدو من اسم (سارديه) جزيرة بالقرب من شندي حيث يذكر أن
الاسم يرجع إلى الملك ساردي من ملوك الفونج الذي كان يقيم في الجزيرة.
3/ مؤثرات أجنبية
كانت بلاد النوبة
وعبر تاريخها منطقة تمازج ثقافي التقت فيها حضارات البحر الأبيض المتوسط والحضارات
الأفريقية وربما انعكست رواسب هذه الحضارات في أسماء بعض الأماكن مثل (أتبرا) التي
يردها عبد المجيد عابدين إلى كلمة ASTOBORAS اليونانية
فيما يرد آخرون الكلمة إلى أصل نوبي بدليل كلمة ESSE
بمعنى ماء في النوبة.
|