|
يمتد شرق السودان موازياً للبحر
الأحمر من بئر شلاتين شمالاً وحتى مصوع جنوباً
وتمتد حدوده غرباً غرب جبال البحر الأحمر حتى نهر
عطبرة وتتميز المنطقة الساحلية بالجفاف وتتخلل
أراضيها الخيران التي تصب في البحر الأحمر ولا
يوجد أي نوع من الزراعة علي إمتداد هذا الساحل
القاحل أما جبال البحر الأحمر فتتخللها الوديان
والخيران حيث يكون الطقس وكمية مياه الأمطار
ملائمين لزراعة الذرة والدخن اللذين يعيش عليهما
سكان شرق السودان مع ما يرعون من ماشية إذ أن معظم
السكان رعاة بدافع من المناخ شبه الصحراوي وضغط من
الأرض الجرداء. ومثل كل سكان الجبال فهم يميلون
إلي العزلة والفردية.
ويطلق علي سكان شرق السودان منذ قديم الزمان لفظة
البجة ولقد أطلق عليهم هذا اللفظ من جميع الأمم
التي عرفتهم.
إختلف المؤرخون في أصل البجة فذكر بعضهم أن البجة
حاميون ولكننا نجد أن داؤد روبيني والمسعودي
والدكتور جواد علي واسترابو ونعوم شقير وجرجي
زيدان أجمعوا علي أن البجة من أبناء كوش بن كنعان
أي من أصل سامي.
عرف الفراعنة البجة منذ أقدم العصور وأطلقوا عليهم
لفظة البليميين كما عرفوا في كتابات الفراعنة (بالبقة)
وإتصل الفراعنة مع البجة تجارياً، كما نشط
الفراعنة في إستخراج الذهب من مناجم البجة وسخروا
قبائل البجة لهذه الأعمال وكانت العلاقة بين
الجانبين متوترة فكلما قويت شوكة البجة ثاروا ضد
الفراعنة وأغاروا علي مدنهم.
ولقد كان الملك الفرعون (سنفرو) هو أول فرعون
يعرفه البجة إذ قام بفتح بلاد البجة وأدانها لحكمه
وأنه من الطريف حقاً أن يكون لهذا الإسم معناً
باللغة البجاوية وهو (الأخ الجميل) الذي يطابق
المعنى الفرعوني كما أن هنالك كلمات فرعونية آخرى
مثل ايلات ونفرتيت يتطابق فيهما المعنيان البجاوي
والفرعوني. ولقد أرغم سنفرو البجة علي دفع الجزية
وبعد فترة توقف النشاط الفرعوني في منطقة البجة
ولكن في عهد المملكة المصرية الوسطى وخاصة في عهد
الأسرة الثانية عشر إشتد النشاط الفرعوني في
المناجم ولقد قام الفراعنة بتسخير البجة لأعمال
المناجم.
وعندما إحتل الرومان مصر لم يعرفوا البجة علي أول
عهدهم، ولكن بعد القرن الأول الميلادي بدأت قبائل
البجة تهاجم الحدود الجنوبية لمصر ونتيجة لهذه
الهجمات وقع الرومان معاهدة عدم إعتداء مع البجة
ولكنها لم تستمر طويلاً فنقضها البجة سنة 261م
وإستمرت مناوشات البجة للرومان حتى صدهم القائد
الروماني يوليوس فيرمليانوس وتحالف البجة مع
الملكة زنوبيا في ثورتها ضد الرومان وكان نصيبهم
الهزيمة. ولكن هزائم البجة المتكررة من الرومان لم
تثمر في إيقاف هجمات البجة وغزواتهم من مرة لأخرى.
فقام الرومان بتوطين أمة النوباتيين بينهم وبين
البجة وذلك سنة 297م رامين إلي إيقاف هجمات البجة.
وبالرغم من ضغط الإمبراطورية الرومانية ودولة
أكسوم علي البجة فإنهم لم ينهاروا وإستطاع البجة
إستعادة قوتهم سنة 429م وهاجموا مدينة أسوان
وخربوا معابدها. وبحلول القرن الخامس للميلاد أصبح
البجة سادة الموقف علي أرض النوبة لا ينازعهم في
ذلك منازع وتقلص النفوذ الروماني إلي درجة إستطاع
معها البجة تأسيس دولة ثانية جنوب أسوان. ولم يسجل
البجة إنتصاراتهم كتابة لأنه لم تكن لديهم كتابة
خاصة بلغتهم، ولكن إستطاع (خاراشين) ملك البجة
كتابة وثيقة تاريخية باللغة الفرعونية سجل فيها
إنتصاراته.
كان آخر عهد البجة بالثورات ضد الرومان هي حملات
الملك النوبي (سلكوا) الذي إستعمله الرومان أداة
لتحطيم البجة، بالرغم من الهزيمة الساحقة التي
ألحقها بالبجة فقد إستمرت مناوشاتهم بين الحين
والآخر.
وعندما فتح العرب بقيادة عمرو بن العاص مصر إستعان
الرومان بالنوبة والبجة. وحارب معهم ملك البجة (مسكسوح)
بخمسين ألف مقاتل ومئات من الأفيال ولكن إستطاع
عمرو بن العاص هزيمة الحلفاء وكسر شوكتهم.
شهد شرق السودان قبل
الإسلام عدة موجات سامية نزحت
إليه من جزيرة العرب وأشهر تلك الموجات هي هجرة
قبيلة (بلى) وهم بنو بلى بن عمرو بن الحافي بن
قضاعة بن حمير وقبائل (بلى) هم أول من نقل اللغة
العربية إلي أفريقيا وجاوروا قبائل البجة دون
الإختلاط بهم، فاطلقت البجة كلمة (بلويت) علي
اللسان الذي تتكلمه (بلى) أي اللغة العربية، وهي
ما لم تكن مفهومة لديهم ولذلك نسبوها لأول من
تكلمها في ديارهم. ولما كان البلو عنصراً سامياً،
فإنهم أصبحوا سادة البجة وأطلق البجة لفظ (بلى)
علي كل رئيس أو سيد وكانت كلمة (بجة) تعني العكس
وترفع البلو عن مصاهرة البجة. ولكن بمرور الزمن
تزوجوا ببنات ملوك البجة وأصبح أبناؤهم يتكلمون
لغات أمهاتهم أي اللغة البجاوية. وإستمر البلو
ملوكاً علي البجة فترة من الزمن وكان يطلق عليهم
لفظ الحدارب كذلك. علي أن ملكهم زال مع الهجرات
العربية التي لحقتهم وإندثر البلو كعنصر راق ولم
يبق منهم غير أفراد قلائل.
شهدت مصر هجرات عربية بعد الفتح العربي من قبائل
قحطان ونزار وربيعة وقريش، ولكن مناخ مصر لم يكن
ملائماً مع العرب أصحاب الإبل والمواشي، فهاجروا
من مصر إما فراراً من الحكام أو طلباً للرزق أو
بحثاً عن المعادن في جبال البجة.
ومن أهم الأصول العربية التي هاجرت
لبلاد البجة:
أ/ أبناء أبي بكر الصديق.
ب/ أبناء الزبير بن العوام من بني مصعب بن الزبير
وإستوطنوا الوجه القبلي.
ج/ بنو هلال وهم فرع من بني عامر بن صعصعه.
د/ بنو العباس وهم من أكثر القبائل التي هاجرت إلي
السودان, وبمرور الأيام إستطاع العنصر العربي أن
يحل محل ممالك البجة الخمسة الموجودة:
-
قبائل
البشاريين ويسكنون في مملكة ناقص.
-
قبائل
الأمارأر وهم يعيشون في منطقة مملكة بقلين.
-
قبائل
الهدندوه وينتشرون في بقاع مملكة بازين.
-
قبائل بن عامر
وموطنهم علي السواحل الجنوبية.
-
قبائل الحلنقة
ويقطنون في كسلا وما حولها.
وأكبر قبائل شرق السودان هي
قبيلة الهدندوه.
ولقد هاجر جدهم المدعوا محمد المبارك من الحجاز
إلي شرق السودان عن طريق
عيذاب حوالي القرن السادس
الهجري باحثاً عن إبن عم له يدعى عبد الله بن أحمد،
الذي صاهر البجة في منطقة أركويت وتزوج محمد
المبارك بإبنة إبن عمه عبد الله ورزق ولداً أسمته
البجة (باركوين) ومعناها (الذي لا يهاب) وإنحدر من
باركوين سبعة أولاد وهم:
-
قرهب أبو هدل.
-
كلاي أبو هميس.
-
نايتيب أبو بهريت.
-
باشوك أبو هاكول.
-
شبودين أبو جميل.
-
حملاب أبو قايد.
-
وبل حماد أبو سمار.
ولقد قيل في كلمة هدندوه ثلاث روايات أولاها أنها
إنحدرت من (هدل دوه) ومعناها أولاد الرجل الأسود
والرواية الثانية أنها مشتقة من (هداب دوه)
ومعناها أبناء الأسد أما الرواية الأخيرة وهي
الأرجح فهي مشتقة من (هدادوه) ومعناها أبناء
الزعيم.
وينقسم الهدندوه إلي قبائل منها القرعيب وهم
ينتسبون إلي رجل جعلي حضر إليهم من الزيداب وتزوج
بمطلقة حامد الشرعي ورزق بولد وبنت منها وسمى
بقرعيب لأن له إناء خاصاً من القرع لا يستعمله
سواه وهم ينتمون من جهة الأم لهاكول بن باشك.
أما قبيلة الويل علياب
فهي تنتمي إلي محمود أبو بهريت المشهور بنأيتيب
وقبيلة القايداب تنتمي إلي حاملاب أبو قايد،
وشبودين أبو جميل هو جد الجميلاب أما قبيلة
الشرعاب فجدها جعلي يقال أنه حامد بن محمد، أما
قبيلة البشارياب وهم أخوال الأمير
عثمان دقنة فقد
تفرعت من ذرية بشار بن حامد.
وقبيلة البني عامر
تتكون من مجموعة من القبائل إنحدرت من عامر بن علي
شاع الدين من بلاد الجعليين وتزوج بإبنة ملك البجة
وأطلقوا عليه (علي نابت) ومن ثم أطلق علي نسله بني
عامر النابتاب.
أما قبيلة الأمارأر
والتي يعني إسمها بالبجاوي (أبناء عمار) فهي قبيلة
كبيرة تسكن بين الهدندوه والبشاريين وهي مكونة من
عائلتين كبيرتين، هما أبناء عمار وأبناء عثمان بن
عجيب العبدلابي، فالأولى هي أبناء الإبن والثانية
أبناء البنت ولقد إندمجوا في أخوالهم حتى صار يطلق
عليهم إسم واحد هو الأمارأر وعمار هذا هو إبن محمد
بن كاهل من ذرية وراق بن مصعب بن الزبير بن
العوام.
وقبيلة
الحلانقة
من أصل عربي ونتسبون إلي قبيلة هوزان ونزحوا لهذا
الإقليم أيام ولاية الحجاج بن يوسف وتوغلوا في
بلاد الحبشة طلباً للرزق وكانوا يركبون الخيل
ويحملون السياط وسماهم الأحباش (حلانقة) ومعناها
باللغة الحبشية "السوط" وهم الذين شقوا مجرى نهر
القاش.
الملهيتكناب
من قبائل البجة التي تنحدر من أصل عربي إذ أن جدهم
هو محمد بن أبي بكر الصديق. وإستوطنوا في بلاد
التاكا في خور (ملهيت) وإشتهروا بالدراسة والصلاح
وكان لهم مسجد كبير في جهة (تندلاي) بالقاش وبقى
الملهيتكتاب الموجودون في كسلا تحت نظارة الهدندوه
أما قبائل العجيلاب وهم فرع من الملهبتكنناب
فيقطنون بمنطقة عقيتاي جنوب طوكر ويرجع الفضل لهم
في نشر
الإسلام على ساحل البحر الأحمر الغربي أما
قبيلة الارتيقة والتي يعني إسمها بالبجاوي (ناظر)
ولقد إستعمل هذا الإصطلاح عندهم بدلاً من كلمة
ناظر فهي من القبائل العربية التي هاجرت من حضرموت
حوالي سنة 882م إلي مدينة سواكن وإستقروا بها
أمراء إلي أن صدر فرمان تركي بتوليتها للدقناب
ويقال أنهم ينتمون إلي أحمد العلوية ومحمد إبني
باصفار.
وقبيلة
الحباب
والذين يطلق عليهم الأصحاب فهم لفيف من أعراب
اليمن والتيجري ترأسهم عائلة من نسل العباس بن
عتبة بن عمرو بن هشام وكانت تستمد سلطاتها من ملوك
الحبشة وكانوا بأرتريا حتى عام 1898م إذ حصل خلاف
في بيت رئاستهم فإنشق منهم جزء صغير دخل الأراضي
السودانية.
الرشايدة
هم آخر القبائل العربية التي هاجرت للسودان من
الجزيرة العربية حوالي سنة 1856م نزل بعضهم بميناء
محمد قول والبعض الآخر بميناء أم بارك وإجتمع
شملهم في (قرورة) وأقاموا زمناً بأراضي الحباب حتى
إنتقلوا إلي أماكنهم الحالية ومنهم قبائل البرسا
والبراطيح والزنيمات.
والبجاوي في مظهره صغير البينة متوسط القامة خفيف
الحركة سريعها يقفز إلي أعلى في خفة الطير وإلي
الأمام في سرعة الفهد ووجهه نحيل بيضاوي، وفكه غير
عريض ولكنه ينزل في زاوية حادة إلي الذقن فتصبح
كأنها زاوية المثلث أما أنفه فحسن الإستقامة جميل
التكوين ويبدو مثالاً حسناً للأنف القوقازي وبشرة
البجاوي بنية تشوبها حمرة وشعره ناعم تغلب عليه
الأمواج. |