أهمية الأساطير
تأتي أهمية الاساطير من اعتبارها جزءاً لا يتجزأ من
تراثنا. وهى الجانب الذي لم يُحظ بأى اهتمام، باعتبار ان المفكرين والدارسين لدينا
قد تأخروا كثيراً في دراسة جوانب التراث بالمنهج العلمي.. كذلك فإن إلقاء هذا الجزء
من التراث في سلة التاريخ سيكون جريمة لا تُغتفر بكل المقاييس.. من حيث أن ذلك
يُسهم في قطع الحبل السري لهذه الامة برحمها الاصيل وإبعادها عن اصلها الثقافي ورحم
الإبداع الرؤوم.. واذا كان قطع الحبل السري يعني خروج الجنين مكتملاً ولكن بقاءه -
على الاقل للفحص والتحليل- يكشف لنا اوجه الوراثة وملامح التشابه الاصيل. والاساطير
بالمعنى الكلاسيكي عبارة عن خرافات واقاصيص. وموضوعها الابطال الغابرون وفق تصورات
وتخيلات وتأملات واحكام تناسب عمرها، بحيث تبدو ذات خصوصية تربطها ببيئها ومجتمعها،
بحيث يمكن من دراستها استقراء التاريخ الاصدق لزمانها ومكانها.
اسطورة (الكمبلا)
وللتدليل على ذلك سنذكر اسطورة (الكمبلا) التي جرى اختزالا مؤخراً في رقصة. وسنطبق
دراستنا وتحليلنا عليها.. فالاسطورة تقول انه في غابر الزمان وبينما كان الكجور
الذي يمثل السلطة الدينية لكثير من القبائل في فترات تاريخية طويلة، بينما كان
مشغولاً ومهموماً بهم القبيلة، إذ ان الموسم الزراعي قد تأخر بسبب تأخر المطر.
واصبح الجفاف يهدد القبيلة بأسرها. وفي نومه حلم بأنه صعد الى السماء ليتحرى سبب
عدم نزول المطر. وهناك وجد أن المياه محتجزة خلف سد جليدي ضخم. وبدلاً من أن يفكر
في كيفية معالجة الموقف انشغل بامرأة جميلة. وحين حاول الاقتران بها رفضت وبعد لأي
اشترطت عليه أن يساعد القبيلة ويقوم بإنزال المطر.. وعندها لم يجد غير أن يتحول الى
ثور ضخم وينطح الجدار الجليدي بقرونه القوية حتى ينهار. وعندئذٍ يستيقظ الكجور من
نومه بسبب هطول المطر عليه. وبذلك يقرر ان تصبح تلك المناسبة سِبراً من أسبار (أعياد)
القبيلة. ولازالت قبيلة النوبة (لقُّوري وصبُّوري) تحتفل بهذه المناسبة.
ونلاحظ أن الأسطورة هنا مليئة بالمشاعر الانسانية الجياشة والاحاسيس والمواقف التي
تطلعنا على فسلفة الانسان في الوجود. وعلى محاولاته الفكرية الاولى التي تتضمن
خلاصة تجاربه. وكيف يستنتج من هذه التجارب منطقه ومفاهيمه وتعامله مع واقعه، وفق
منطق خاص ووفق مضامين اخلاقية تمت صياغتها في قوالب أدبية ذات خصوصية توارثتها
الاجيال وعدلت فيها واضافت اليها، مما جعل الاسطورة محل عمل دائب لا يتوقف، فهى
حفريَّة حية، رغم كونها تأكل بعضها بعضاً وتتناسخ وتتكرر، إلا ان لها دوراً تاريخياً
حياً يمكن قراءته في تفاصيلها التكوينية اذا بذلنا الجهد اللازم للتعامل مع كائن
يعيش منذ آلاف السنين، بما في ذلك التبدلات والتغييرات التي دخلت عليه. ولعلَّ ذلك
يتضح في الأسطورة السابقة، مثلاً في طقوس الاحتفال بهذه المناسبة، حيث تُقام
مباريات رياضية ومصارعة لاختيار فارس الكمبلا الذي يشترط أن يكون قوياً باسلاً.
ويبقى أثر الثور واضحاً في القرون التي يرقص بها الشباب واذيال البقر التي ترقص بها
الفتيات كذلك.. وشرط الدراسة والتحليل للاساطير هو امتلاكنا للمنهج المناسب
والأدوات اللازمة لقراءة حركات وسكنات كائن حي عريق يعيش منذ مئات السنين وربما
آلاف السنين.
وربما يتضح أثر البيئة والتاريخ معاً في الطقس الذي يمارسه
السكان في منطقة وادي
حلفا حين يولد مولود جديد، حيث يتم إعداد وليمة (كرامة) يُلقى جزء منها في النيل
ويطعم الباقي للصغار.. وكذلك في موسم الفيضان:(البحر ما بنزل إلا يشيل حقو) وحين
يغرق بعض الناس يقولون (مشوا كرامة البحر).. لاحظ ان النيل كان يمثل الإله آمون في
حضارات تلك المنطقة. وكانت تقدم له عروس النيل حتى عهد عمر بن الخطاب. وكذلك يبدو
أثر البيئة متمثلاً في الثور في اسطورة الكمبلا.
وعليه فالأسطورة هى تسجيل للوعي الانساني واللاوعي معاً. وأنها اخذت مساراً تطورياً
بطيئاً، استثمرت خلاله مبدءاً لايزال بحاجة الى تفسير ولكنه قائم. وهو أن كل عنصر
من الماضي يفرض نفسه وتأثيره على الجماهير بقدر لا يقاوم ولا يقف امامه اي اعتراض
منطقي. وحتى اليوم وبعيداً عن نطاق السلوكيات الدينية وطقوسها وعقائدها، يمكننا ان
نجد مظاهر سلوكية لا معقولة ولا مبررة. ولا يبقى لتفسيرها سوى البحث في جذورها
بحسبانها احدى مظاهر تلك الحفريات الحية.
وعليه فإن قراءة التاريخ القديم دون الأسطورة امر غير تام العملية، باحتسابنا
الاسطورة السجل الأمثل للفكر وواقعة في مراحله الابتدائية، عندما كان يحاول تفسير
الوجود من حوله. ويحاول قراءة الواقع الاجتماعي وتغييره، هذا بالطبع مع ما تنقله
لنا الاسطورة من بصمات وانطباعات النفس الجماعية عليها، لكونها ثقافة أجيال متعاقبة
ظلت تجرح فيها وتعدل، هذا مع عالميتها التي وضحت قدرتها الباهرة على الانتقال عبر
حدود الزمان والمكان. وإمكاناتها الهائلة على التكيف خارج وطنها وبعيداً عن زمانها،
لتظل حية لدى شعوب مخالفة تتبناها في أزمنة مختلفة.
|