الجلابية السودانية

 فولكلور > الزي > الجلابية السودانية

تدل الأزياء عموما على ثقافة المجتمع ورسوخ تقاليده الاخلاقية والفنية مما يجعله ظاهرة دراسية هامة لكثير من العلوم الاجتماعية، وقد دلت بعض الرسومات التاريخية ان ازياء الرجال تتكون من قطعة واحدة هي الازار الذي يغطي الجزء الاسفل وحتى الركبتين ويترك باقي الجسم خالياً، وقد جرت التقاليد على ان يدل الزي على الوضع الاجتماعي والسياسي لمجموعات تلك الحضارات، ومع دخول القبائل العربية الي السودان، إنتشرت أنواع من الازياء لم تكن معروفة وتطورت أخرى حسب التقاليد، وأزياء الرجال في تلك الفترة فقد تأثرت بالهجرة العربية الآتية من الشمال والشرق والغرب، ذلك أن نرصد أنتشار (السروال) و(العرّاقي) و(الطاقية) والعمامة لقبائل الرحل والبدو وهذا يبدو عمليا بالنظر الي طبيعة حياتهم في التنقل والترحال.

أما المراكز الحضرية فقد تميز فيها الزي بالـ (الجلابية) و (الملفحة)، كل حسب تقاليد لبسه في مجتمعه الصغير، كما نرصد ايضا تنوع المواد المصنوعة منها الاقمشة التي تحاك منها هذه الازياء لنجد المستورد منها والقطن المحلي، خاصة في الفترة التي تلت دخول الاستعمار البريطاني وربط اقتصاد السودان ببريطانيا، وملاحظ ان بعض القبائل في السودان لم تعرف الزي اساسا وبقيت على سجيتها فترات طويلة، ورغم التأثير القوي للجماليات بما فيها الازياء واقتحامها لتشكيل الذوق الفني السوداني الا اننا لا زلنا نجد هناك تيار قوي يتمسك باصول الجماليات السودانية ويحاول اعادة تطويرها ومما يدل على ذلك تمسك الكثير من السودانيين بالجلابية وملحقاتها.


الجلابية هي عمدة الزي القومي السوداني، وهي ليست الزي الوحيد بالسودان المترامي الأطراف، الزاخر بالتنوع الإثنى والثقافي والمناخي، وإنّما أصبحت تمثل زي السودان القومي لأنها صارت بمرور الزمان الزيّ الأساسي لسكانه في الشمال والوسط والغرب حيث غالبية السكان، والى حد ما في الشرق وبدرجة أقل في الجنوب.


وإذا كان الزي (الإفرنجي) الذي غزا العالم بأسره زاحم (الجلابية) السودانية إلاّ أنها لا زالت تتربع باطمئنان وثقة فوق مكانتها التقليدية باعتبارها قد تجاوزت منذ أمد بعيد مرحلة كونها مجرد زي إلى مرحلة أصبحت فيها رمزية وطنية عميقة بما يجعلها جزءاً لا يتجزأ من الهويّة السودانية.


ولعل العرب في كافة أقطارهم يميزون السوداني بسهولة شديدة ومن أبعد المسافات عندما يلمحون الجلابية السودانية وملحقاتها وذلك على الرغم من أنّ هذه الجلابية تشابه في الكثير من ملامحها (الدشداشة) التقليدية في السعودية والخليج و (الجلابية) المصرية والتي تنطق جيمها على الطريقة المصرية، كما تشابه العديد من مثيلاتها في الأقطار العربية الأخرى، ولا غرو فإنها جميعاً تعود إلى أصل واحد هو الجلباب العربي القديم.


والجلابية السودانية هي بالطبع زي رجالي صرف إلاّ أنها ليست على شاكلة واحدة ونمط لا يتغير وإنّما هي أشكال عدّة، وتقف خلف هذا التعدد عوامل كثيرة منها المناخي حيث يتميز السودان بتعدد مناخي كبير يتدرج من الصحراوي شمالاً إلى الاستوائي جنوباً، ومن هذه العوامل أيضاً عوامل تاريخية ودينية ومهنية و (جمالية).


وهذا التعدد في الأشكال لا يسلب الجلابية شيئاً يذكر وإنما هو مجرد تغييرات طفيفة في الطول والقصر، او في الضيق واتساع الأكمام وما إلى ذلك، ولكن هذه التغيرات تكون أكثر وضوحاً بالنسبة لجلابيب الجماعات الدينية الرئيسية.
تعد جماعة أنصار المهدي من أهم الجماعات الإسلامية في السودان حيث أن من المعلوم أنّ الإمام محمد أحمد المهدي قد قاد في السودان حركة إسلامية متزامنة مع الحركة الوهابية في الجزيرة العربية ومتماثلة معها في الأهداف والوسائل فهي إذن حركة مجاهدة كان مجاهدوها في حالة حركة دائمة، وتنقل مستمر، وترقب لا يكل لنداء القادة أو للتصدي لهجوم مباغت، ولذلك كان جلباب أنصار المهدي يتميز بالقصر وبأنه مصمم بحيث أنه يمكن أن يلبس من أي الجانبين شئت دون أن يفقد مواصفاته وهذا أمر يدخل في باب التشنيعات الأخوية بين المصريين والسودانيين حيث يبادر المصري السوداني الذي يلبسها بقوله متندراً (يا عم أنت رايح ولا جاي).


أما جلابية (الختمية) فهي لا تختلف في كثير أو قليل عن دشداشة أهل المملكة العربية السعودية والخليج وربما يعود ذلك إلى أن مؤسس جماعة الختمية هو أصلاً من أهل مكة المكرمة وقد نشر أفكاره الإصلاحية في السودان وصاهر أهله ونمت أسرته فيه وترعرعت وغدت أرومة كبيرة، ولا زالت تجمعهم علاقات كبيرة مع القيادة السعودية وذلك منذ عهد المغفور له بإذن الله جلالة الملك الراحل عبد العزيز آل سعود، ومن هذا الضرب من الجلابيب أيضاً نوع ظهر منذ وقت ليس بالقريب إلا أنه لم يصبح ملحوظاً إلاّ في الآونة الأخيرة وهو (جلابية) أنصار السنة المحمدية وهي نفس الجلابية التقليدية إلاّ أنها بالغة القصر ويعود انتشارها بدرجة ملحوظة إلى الانتشار النسبي لجماعة أنصار السنة المحمدية في السودان مؤخراً.
ومن أنواع الجلابية السودانية الشهيرة (جبة الدرويش) ولها أيضاً ارتباطات بأفكار دينية تتمثل في الزهد واحتقار الدنيا. وهي تتميز بالرقع المتعددة الألوان والتي تغطيها من الأمام والخلف، كما أنها وإن كانت من اللباس السوداني القومي إلاً أنها لصيقة بأفراد وجماعات (الدراويش) وكلمة (درويش) تطلق في السودان على من يوغل في النسك إلى حد بعيد.
 

ملحقات الجلابية

وكما سلف القول فإن الجلابية السودانية متعددة الأنواع بفعل عوامل كثيرة، وكذلك فإن ملحقاتها التي تعتبر لازمة وضرورية لها تتعدد هي أيضاً بفعل نفس العوامل، فترى من هذه الملحقات (الصديري) بالنسبة لسكان الشرق الجبليين، و(الملفحة) بالنسبة لسكان المدن، أما العمامة والطاقية و(المركوب) فهي مما لا يصح ارتداء الجلابية بدونها وإلاّ فقدت رمزيتها القومية.


وقد اشتهرت الجلابية السودانية مثلها ومثل نظيرتها الدشداشة باللون الأبيض، ولكن هذا لا يعني اضطراداً في الأمر، فللجلابية العديد من الألوان إلاّ أنها غير منتشرة وتقتصر على دائرة الشباب فحسب ولا تتعدّاهم إلى الكبار إذ أنّ ممّا يعاب على الرجل السوداني الذي يكتمل ويبدأ مسيرته باتجاه الشيخوخة ارتداء جلباب ملوّن.

وقد يتخفف السوداني من بعض ملحقات الجلابية، بل وقد يتخفف منها جميعاً في بعض الحالات كأن يكون بين جيرانه أو أصدقائه أو في مكان عمله أو خلال الرحلات الترفيهية أو غير ذلك من الحالات والأوقات التي لا يكون فيها للكلفة معنى، ولكن في كافة الحالات الأخرى خاصة في المناسبات الدينية والاجتماعية والوطنية تصبح هذه الملاحقات من الضرورات اللازمة كالطاقية والعمامة، ويجوز ارتداء الأحذية الحديثة بدلاً عن (المركوب) الجلدي السوداني التقليدي، كما يجوز للعامة تجاهل ارتداء (الملفحة) أو (الشال) وكذلك (العصا) نهائياً.

وقد كان للطاقية في السابق - وإلى حد ما في الحاضر – دور اجتماعي كبير كرسول خير بين الفتية والفتيات في شكل هدايا تصنعها الفتيات لمن تختارهم قلوبهن للرفقة في رحلة الحياة، وقد أصبحت الطاقية أيضاً جزءاً من الزي السعودي والخليجي أيضاً حيث تلبس تحت القطرة والعقال، أما بالنسبة للسوداني فهي تلبس تحت العمامة وتتميز بلونها الأبيض إلاً في حالات قليلة ترتبط بالشباب والصبية.

وتعتبر العمامة ضرورة لا محيص عنها عند ارتداء الجلابية السودانية ولا تساهل في ذلك إلاً في الحالات الآنفة الذكر، وهناك أنواع من العمامات ارتبطت بجماعات محددة، مثل عمامة (الأنصار) التي تتميز بذيلها الطويل الذي يمتد من الجانب الأيسر للعمامة وينزل إلى الجانب الأمامي من الكتف الأيسر، أما عمامة الختمية فهي تتميز بصغر الحجم.

وإن كان للعمامة حجم نسبي يختلف باختلاف الأمزجة إلاً أنّ هذا الاختلاف لا يؤثر على الحجم التقليدي الذي تعرف به العمامة السودانية وفي الغالب يعكس نوع قماش العمامة القدرة المالية لمن يرتديها، وإذاً لكل قاعدة شواذ فإن البعض من محبي الظهور الأثرياء يبالغ في حجم العمامة حتى ليصل إلى ستة أمتار بالكمال والتمام.

ومن مكملات الأناقة عند ارتداء الجلابية وضع (الشال) أو (الملفحة) على الكتف الأيسر وهو قطعة من نفس القماش تطبق بعناية وتوضع على الكتف بحيث تتدلى من جانبيه الأمامي والخلفي، وغالباً ما لا يعني العامة بها إلاً أنها صارت من ضروريات ذوي (الحيثية) خاصة بالنسبة للسياسيين و الأثرياء ورجال الأعمال.

أما (المركوب) فهو حذاء جلدي سوداني تقليدي أصبح ذائع الصيت في العالم العربي لما يمتاز به من جودة الصنع والجمال والمتانة حيث أنه يصنع يدوياً، وأفخر أنواعه تلك التي تصنع من جلود الحيوانات البرية و المفترسة كالنمر والفهد والأصلة (حية ضخمة) بالإضافة إلى الثعالب والقطط البرية وبعض أنواع الثعابين، وللحكومة قوانين صارمة فيما يتعلق بمركوب النمر إذ إنه من الحيوانات المهددة بالانقراض والمحرم صيدها دولياً.

ومن مكملات الأناقة لمن يرتدون الجلابية (العصا) وهي ليست (لمن عصى) وإنمّا هي تقليد متوارث منذ القدم، وقد كان المجتمع السوداني إلى عهد ليس بالبعيد ينظر لمن لا يحمل بيده العصا نظرة فيها غير قليل من الاحتقار، وما كانت في السابق سوى غصن من بعض أنواع الأشجار لا يعتني كثيراً بتشذيبه وصقله، أما الآن فقد صارت العصا (حلية) من الأبنوس الفاخر ولها مقبض أنيق مطعم بالعاج وقد يكون بأكمله من العاج (ناب الفيل).

وتعتبر (العباءة) أيضاً من مكملات الجلابية السودانية، ولكن ينعدم وجودها وسط العامة، ولا يرتديها الخاصة إلاّ في المناسبات الكبيرة، الدينية مثل العيدين، أو مناسبة وطنية كذكرى الاستقلال مثلاً، أو مناسبة اجتماعية كعقد قران، أو عند تقديم أوراق الاعتماد لعاهل دولة أخرى بالنسبة للدبلوماسيين السودانيين.

وعلى الرغم من تميز الجلابية السودانية على غيرها من أخواتها العربيات بمواصفات خاصة بها، إلاّ أنّ من الواضح أنها ذات جذور عربية أصيلة لا تخطئها العين، ولكن بسبب هذه المواصفات نفسها أصبحت علامة فارقة على (الزول)، وهذه الكلمة الأخيرة عربية فصيحة ليس هنا مكان استعراض معانيها الكثيرة، ومن أراد ذلك فليلتمسه في كافة المعاجم والقواميس العربية.

 

 

الجلابية الإفرنجية

الجلابية السودانية (البلدية)

الجلابية أم جكَّو (الأنصارية)

 
 

موسوعة السودان | موسوعة الصور | موسوعة الكتب والبحوث | موسوعة العلامات التجارية | دليل المواقع السودانية | دليل الهاتف | دليل الخدمات | الدليل التجارى

 
 
© 2008 SUDANWAY.  Privacy Policy  and  Terms of Use  Powered by:  IT Way Co.