|
أسسه الشيخ عبدالقادر من الطين والقش

الموقع:
يقع مسجد الجيلي العتيق على بعد 40 كيلومتر
شمالي الخرطوم وهي المنطقة التي اخذ مصفاة البترول الشهير اسمه عنها،
وتتميز مدينة الجيلي باعتمادها على الزراعة كوسيلة اقتصادية أولى حيث
يحفها النيل من الغرب على طول مساحتها، وتعد حاضرة للريف الشمالي
الشرقي للنيل الذي يضم قرى مثل النية والسقاي الثمانيات والدوم وواسي
وقرى، وتعد “الجيلي” المحطة الأولى لولاية الخرطوم للقادمين من ولاية
نهر النيل على الرغم من أن حدود الولاية تتجاوزها إلى منطقة قرى
الواقعة بعيد كيلومترات من مصفاة الجيلي للبترول، وتحدها شرقا محطة
السكة الحديد التي كانت في السنوات الماضية، معلما لبلوغ المسافرين
العاصمة، وأخذ استراحة أخيرة من وعثاء السفر قبل دخول الخرطوم، لكن
أهمية المحطة تراجعت كثيرا بعد شارع الاسفلت الممتد حتى ولاية نهر
النيل، وقد انتعشت الجيلي اقتصاديا، بعد افتتاح مصفاة الجيلي حيث تغيرت
معالمها كثيرة، لكنها احتفظت ببعض بداوتها وكرم أهلها وتكاتفهم وحسن
استضافة الغرباء والعاملين في المصفاة.
تاريخ المسجد:
ويبدأ تاريخ المسجد العتيق الذي يعرف بمسجد
الشيخ عبد القادر، مع مطلع العام 1903 عندما شرع الشيخ عبد القادر، وهو
ابن الشيخ عبد الرحمن ابن سيدي الشيخ احمد الطيب الشهير ب”ام مرحي”، في
بناء المسجد من مواد بناء أولية مثل الطين والقش، ويقول الجيلي سليمان
البدوي إمام مسجد الجيلي واحد حواريي الشيخ الطيب منذ العام 1935
ل”الخليج” إن المسجد يعتبر من أقدم المساجد في السودان، وتطور البناء
فيه حتى صار على ما هو عليه الآن بفضل الدعم المادي والعيني لكثير من
الخيرين وأضحى علامة بارزة من معالم المنطقة، ويشير الجيلي الذي عاد
وأصبح إماما للمسجد في العام 1993 بعد عودته من الخرطوم والاستقرار في
المنطقة، إن مدير المديرية آنذاك “الخواجة ماكنتوش” خلال حقبة
الاستعمار وافق على دعم وتطوير المسجد فكان رابع أو خامس مسجد في
مديرية الخرطوم آنذاك، ومع مرور الزمن انتقل الشيخ عبد القادر الى
الدار الآخرة وبدأ الجيل الذي يليه العمل على تطوير المسجد بمعرفتهم
وذوقهم وفعلا أنجزوا كثيرا، واستمرت الحال كذلك، وأنا اعتبر أحد حواري
الشيخ محمد ود الطيب منذ العام ،1935 وقد بدأ الخليفة محمد ود الشيخ
عبد القادر تحويل المسجد من الطين والقش الى مبان احدث، وقد كان حدثا
كبيرا بالنسبة لنا ان نرى أعمدة داخل المسجد في ذلك الوقت، والخليفة
محمد ود الطيب كان رجلا صالحا وحافظا للقرآن، وقد انشأ خلوة لتدريس
علوم القرآن.
توسعة المسجد:
وينتقل الشيخ الجيلي الى حقبة أخرى، ويقول في
العام 1953 فكر أهل البلد في توسيع المسجد، وجمعوا التبرعات، وقد أسهم
المرحوم سرور محمد رملي وكان رجل بر وإحسان بجانب قيادته السياسية،
بألفي جنيه وجمع أهل البلد ألفاً وثلاثمائة جنيه ، وبهذا المبلغ
استطعنا بناء مسجد كأحسن المساجد في السودان، بناه المقاول المشهور
حينها في منطقة الخرطوم بحري السيد عبد الله السيد، ثم تولى “الخليفة
شيخ إدريس بن الشيخ عبد القادر” إدارة المسجد بعد وفاة والده، وبدأ
التطور بطيئا حتى ظهور بعض الوافدين من المتعلمين والذين جلبتهم
المعايش للسكن في الجيلي، فانتقدوا أهل البلد في حال المسجد وقالوا لهم
“سيسألكم الله يوم القيامة عن حال هذا المسجد لأنكم هجرتموه”.
تطور كبير
ويضيف الجيلي مسترجعاً ذاكرته “لقد بثوا في
الجميع روحا جديدة ودفعوهم الى عمارة المسجد مرة أخرى”، ويشير الى انه
بعد انتقال الخليفة شيخ إدريس الى الدار الآخرة، تولى الإمامة الدكتور
عبد القادر ابوهالة وهو رجل معروف بعلمه وورعه، وفي عام 1992 توليت
إمامة المسجد بعد انتقالي الى “الجيلي” من الخرطوم عقب نزولي المعاش،
وكلفني الدكتور “ابو هالة” أمور المسجد وبدأت العمل فيه لاقتناعي بأنه
يجب أن يكون أفضل مما كان عليه، واعتمدت على الشباب، خاصة بعد أن صار
الأولاد الصغار يأتون الى المسجد بانتظام، وعملنا توسعة في المسجد،
وذهبنا الى وزير الإسكان آنذاك شرف الدين بانقا، وتبرع لنا بمبلغ سخي
“35 مليون جنيه”، وقام بالعمل الأول الحكومة وواصلنا نحن بعد ذلك.
ويقول “الجيلي” إنه طوال الأعوام الخمسة عشر الماضية شهد المسجد تطورا
كبيرا، وفيه اليوم خلوة بكل مراحلها ومتطلباتها، حيث يقطن الطلاب داخل
المسجد فهو مجهز بالحمامات وأماكن الوضوء وكل متطلبات السكن، ومع ذلك
لا يسع المسجد الناس، فقد أصبح رمزا للمنطقة وأحد معالمها الأساسية.
اقبال الشباب
وينتقل الشيخ الجيلي الى جانب آخر، ويقول مع
مرور الزمن وتطوره انشغل الناس وتقاعسوا عن أداء الصلاة في المسجد إلا
صلاة الجمعة، وابتعدوا جريا وراء الدنيا، لكنهم عادوا مؤخرا وعمروا
المسجد، وحتى الأولاد الصغار يشكلون حضورا كبيرا فاليوم نجد ما لا يقل
عن 150 طفلا دون سن العاشرة يصلون في المسجد بانتظام. ويشير الى سنة
أحياها الشباب مؤخراً، وهي الاعتكاف في العشرة الأواخر، وقراءة القرآن
حتى انك تسمع الصوت كطنين النحل، وهو أمر مفرح عندما يترك الشباب خبث
الدنيا ويقبلون على المساجد وأظن أنهم سئموا من الجري وراء الدنيا.
ويكشف “الجيلي” انه ترك المسجد العام الماضي بعد كل هذه السنين “65
عاما في رحابه منها 15 عاما إماماً ومأذوناً”، لاعتلال صحته، وبالرغم
من أن “الخليج” علمت أن الرجل ترك المسجد حتى لا يصير “مسجداً ضراراً”
بعد خلافات مع اللجنة، إلا أنه رفض الخوض في ذلك واكتفى بتعليل الامر
بكبر السن وتردي الصحة، وتمنى لمن يتولون أمر المسجد الآن التوفيق في
حمل الراية.
ويكشف عثمان احمد صديق احد أعمدة المسجد عراقته وتاريخه، ويقول انه بدأ
كمسجد تعليمي وما يزال، وقد استقطب أهل البلد وكل القرى المجاور، لما
يشهده من مناسبات دينية واجتماعية، وعادة ما يكون الازدحام شديدا في
صلاة الجمعة والمناسبات والأعياد و”الحوليات” السنوية، ويشير صديق الى
أن المسجد اتخذ شكله الحالي منذ العام 1950 ثم شهد تطورات كبيرة بعد
ذلك، ويشير الى أن الدولة ساهمت في تجديده حيث عملت مع هيئة مكونة من
أعيان البلد وهيئة الأوقاف على تطوير وتحديث المسجد .ويشير الى الجانب
الاجتماعي ويقول “يقصد المسجد كثير من أصحاب الحاجات، لان أهله لا
يردونهم بكرمهم خاصة لعابري السبيل وقد ذاعت شهرته وأصبح قبلة للناس،
حتى إن البعض يأتي من خارج الولاية” .
ويقول صديق “نحن لا نزكي على الله أحدا، لكن ذوي الفضل كثيرون ومنهم
الشيخ الجيلي الذي يرجع الفضل إليه في المرتبة التي وصلها المسجد، فقد
كان يقوم بإدارته ويرعى شؤونه، ويتحرك كثيرا وحده رغم كبر سنه، سعيا
وراء المسؤولين وأهل الخير جالبا التبرعات والدعم، مستفيدا من علاقاته
الواسعة، خاصة انه يمتلك شخصية محبوبة ولديه وسائل إقناع فلا يرده
المسؤولون ويجد آذانا صاغية منهم.وهناك لجان المسجد العديدة المتعاقبة
التي ساهمت في تجديد وصيانة وتنظيم العمل في المسجد.
خلية نحل
ويكشف صديق أن المسجد يزوره محاضرون وفقهاء،
ويجدون حضورا كبيرا، رغم انشغال الناس بالعمل في العاصمة وخارجها، لكن
في رمضان يصبح المسجد كخلية نحل وتعقد حلقات التلاوة، ويجلب الجيران
الإفطار للصائمين، وفي الآونة الأخيرة جرى تفعيل الخلوة وهي قديمة قدم
المسجد لكن فعلت مؤخرا، وحتى انها أثرت على الكثيرين، فقد كان كل من
تتاح له الفرصة يؤم المصلين، أما الآن فهو يلتفت وراءه فإذا وجد أحد
طلاب الخلوة بقربه ترك له الإمامة لأن قراءة التجويد هي الأفضل، وهو
يخشى ألا يحسنها في حضور قارئين من الخلوة. ويشتكي صديق من أن الدولة
باتت لا تحفل بأمر المساجد ويشير الى مشكلة الكهرباء والمياه، بعد أن
كانت تتولى أمرهما، ويقول “هذا العام بالذات حصل تقليص كبير لدعم
الدولة ومثال لذلك أن هذا المسجد كانت تدعمه الدولة بألف متر واط في
الشهر، تقلصت الآن الى 140 متر واط فقط، وتعلل المسؤولين بأن هناك عجزاً
ويجب الانتظار، لكننا أفضل من غيرنا فهناك مساجد تصلي ب”الرتينة” أي
الفانوس، وليس ذلك قلة حيلة منهم لكنهم يريدون إرسال رسالة للمسؤولين
بأهمية المساجد وضرورة دعمها.
|