|
الخرطوم هي عاصمة السودان السياسية, وتعرف بالعاصمة المثلثة بسبب المدن الثلاثة
التى تكونها, وهي: مدينة الخرطوم ومدينة أمدرمان ومدينة الخرطوم بحرى يفصل بينها
نهر النيل والنيلين الأبيض والأزرق، الأول هو عبارة عن ناتج ملتقى النيلين الأزرق
والأبيض في مقرن الخرطوم.
نشأت مركز الخرطوم كعاصمة إدارية وتجارية عقب حقب من التاريخ ظهرت فيها عدد من
العواصم شملت شمال ووسط السودان. نشأ مركز الخرطوم عام 1790م كما نشأ مركز أمدرمان
كعاصمة إسلامية وطنية في عهد المهدية عام 1885م عبر تلك الحقب يمثل مركز الخرطوم
بحري الإمتداد السكاني والصناعي لتلك العهود وفي يومنا هذا.
وقد سميت الخرطوم بهذا الإسم لأن الشقة
الضيقة التي تشغلها هذه المدينة من الارض بين النيل الازرق والنيل الابيض تشبه
خرطوم الفيل.
تشير بعض الدراسات الأثرية الى ان ملتقى النيلين الأبيض والازرق ظل موطناً للانسان
منذ عصور سحيقة. وقد أكدت هذه الدراسات وجود مستوطنات بشرية على موقع الخرطوم
الحالي نحو سنة 400ق.م، كما عثر في الموقع نفسه على بقايا مستوطنات يرجع تاريخها
الى عهد نبتة ومروي «750ق.م الى 350م» مما يدل على ان ملتقى النيلين كان مأهولاً
بالسكان عبر فترات متصلة منذ أزمنة سحيقة، كما عثر على أدوات يرجع تاريخها الى
العصر الحجري في خور أبي عنجة في مدينة ام درمان. وفي هذا اشارة الى ان الانسان عرف
منذ زمن بعيد الاهمية الاستراتيجية لهذا الموقع المتميز.
إن التاريخ الحديث للخرطوم يبدأ بتأسيس اول نواة للاستيطان في جزيرة توتي في منتصف
القرن الثاني الميلادي.. وكما يقول مؤرخون أخر، ان في توتي كانت هناك كنيسة مسيحية
كبيرة، وهذا يعني انها كنيسة نوبية تابعة للكنيسة القبطية التي كانت تشرف على
النوبة، وأن العمران من توتي وصل الى الخرطوم ثم بحري ثم ام درمان. وكانت الخرطوم
قرية صغيرة.
تم اختيار محمد علي للخرطوم كعاصمة في 1821م.. ولم يبدأ تشييد مبانيها سوى عام
1839م..
وحررت الخرطوم على يد
المهدي في عام 1885م.. وقد دكت الخرطوم دكاً.. بيوتاً
ومكاتب.. جوامع وكنائس وظل السودان بدون خرطوم ثلاث سنوات، عندها بدأ
كتشنر في بناء
الخرطوم على طراز المدن الغربية.. وعندما فقدنا الخرطوم كانت لكنيستنا القبطية
خسائر، حيث هدمت الكنيسة التي كانت في موضع الهيئة القومية للكهرباء الآن وفيها
مدفون ثلاثة اساقفة أقباط.
يبدو أن حبيب الكنزي هو من سلالة محمد الكنزي الشيخ الوقور الذي انشأ خلوة الكنزي
1918م في الخرطوم وسط بشارع السلطان، والذي كان يسمى شارع الترماى او الدوران، وهو
حالياً شارع السيد عبد الرحمن، ثم انتقلت الخلوة الى شارع المستشفى. وكانت الخلوة
مثل جامعة صغيرة يدرس فيها بجانب القرآن الكريم الرياضة والخط والتاريخ، وسميت كتاب
الارشاد الديني، واطلق عليها الخلوة النموذجية وتخرج فيها الكثير من القادة.. ويبدو
انها لم تستمر وانما بدأت خلاوى اخرى غيرها.
ومن معلوماتي المتواضعة أعرف أن الكنائس كانت فيها كتاتيب ويقوم بالتدريس في الكتاب
معلم الكنيسة او المرتل، وان الانبا طريامون الذي وفد من مصر عام 1900م اقام في
الكنيسة كتاباً ثم مدرسة، وبعد هذا توسع في بناء المدارس بدءاً بكلية الاقباط ثم
كلية الاقباط بنات، وبعدها مدارس بحري وحلفا ومدني وام درمان.
تخطيط الخرطوم العمراني:
المرحلة الأولي:
بداية كانت العاصمة الحلفايا عند الطرف
الشمالي من مركز الخرطوم بحري كما كان يقطن جزء من السكان جزيرة توتي التي تتوسط
الأنهر وكانت المنطقة تبدو في شكل غابات وجروف زراعية على ضفاف نهر النيل والنيلين
الأزرق والأبيض.
المرحلة الثانية:
هذه المرحلة تميزت ببداية العمار ونار القرآن والعلم وشيدت الخلاوى بجزيرة توتي على
يد الشيخ أرباب العقائد وكانت المباني من الطين والقش.
المرحلة الثالثة:
بدأت هذه بعد الغزو التركي والذي يركز على التنمية العسكرية فشيد القداع وثكنات
الجيش والنقاط العسكرية وتحول العاصمة إلى مدنى وسنار واستعملت مباني الطوب الأخضر
والطين والقش
المرحلة الرابعة:
عادت العاصمة إلى الخرطوم في عام 1823م وبدأت في الاتساع حيث أنشأ المسجد
الكبير وتم استخدام الطوب الأحمر في تشييد المباني بدلاً من الطوب الأخضر والقش
الذى كان مستعملاً في المراحل السابقة وتوالي تخطيط المدينة وقسمت إلى أحياء (حى
الحكمدارية– حي المسجد – حي الموظفين) واحتلت الأحياء الشعبية الأطراف مثل حى سلامة
وحى هبوب ضرباني وحي الكارة وحى الطوبجية وحي الترس الذى كان في الجهة الشمالية
لمركز الخرطوم وقد أخذ اسمه من الجسر الذى تمّ اقامته للحماية من فيضان النيل
الأبيض.
هذا وقد شهدت هذه الفترة إنشاء معملاً للورق والبارود (1873-1877م)
المرحلة الخامسة:
شهدت هذه المرحلة حكماً وطنياً إسلامياً هو فترة المهدية حيث تمّ فتح الخرطوم
في 26 يناير 1885م فغير العاصمة من الخرطوم إلى أم درمان واهتم الأمراء بالمساجد
والقباب والخلاوى وعين مسئولاً عن المباني ومسئولاً عن الحدائق وآخر لإدارة
الترسانة وتمّ توسيع مدينة أم درمان بتشييد مباني الطوب الأحمر والطين وارتفع عدد
السكان بمركز أم درمان خلال هذه الفترة من 15 ألف إلى 400 ألف نسمة في عام 1895م.
المرحلة السادسة:
امتدت هذه المرحلة من عام 1899م إلى استقلال السودان عام 1956م، أتت هذه
المرحلة نتيجة غزو الجيش البريطاني المصري (الحكم الثنائي) وقد هدمت في هذه المرحلة
المساجد والقباب بأم درمان وحولت إلى ساحات لاستعراض الجيش وحولت العاصمة إلى
الخرطوم حيث تمّ التركيز على ثكنات الجيش في المنطقة الشرقية لمركزها والقلاع في
المنطقة الجنوبية ، بالرغم من ذلك ركز
كتشنر واهتم بالتخطيط متجنباً الطريقة
العفوية في بناء المدينة فقسمت الخرطوم إلى عدة قطاعات (المصالح الحكومية – بيوت
الموظفين الكبار –ثكنات الجيش – الاحياء الشعبية) كما شيد عدد كبير من المؤسسات
الإدارية والتعليمية والصحية والتنموية منها رئاسة المديرية والمستشفى العسكري
وكلية غردون التذكارية ومباني الرى ثم أنشأ مسجد الخرطوم الكبير كما تمّ إنشاء خط
السكة حديد وفي عام 1900م وشيد كبرى النيل الازرق ثم كبرى النيل الأبيض في عام
1928م وبذلك ربطت المراكز الثلاثة ببعضها البعض كما تمّ إنشاء خطوط الترام في عام
1925م.
تطورت كذلك خدمات المواصلات السلكية واللاسلكية حيث شهدت هذه المرحلة التلغراف
وإستخدام التلفون عام 1925م والإذاعة عام 1940م وبداية الواصلات الجوية السودانية
عام 1947م.
* هذا وقد شارك في هذه المرحلة في عملية التخطيط العمراني أربعة جهات أساسية فنية
وقانونية وإدارية هي:
1- المساحة
2- التخطيط
3- إدارة الأراضي
4- تسجيلات الأراضي
وكانت أول لجنة للتخطيط هى لجنة الخرطوم لتخطيط المدن في عام 1927م لتكون مسئولة عن
تخطيط المدن الثلاثة . ثم أنشئت لجنة تخطيط المدن عام 1946م بموجب قرار إداري أصدره
الحاكم العام وشملت هذه المدن الثلاثة وبقية مدن السودان.
صدر قانون تخطيط المدن عام 1950م والذى أدى إلى تحسين وانضباط العملية التخطيطية
فتم توسيع الطرق وإستحداث الفسحات والميادين والمساحات الخضراء والإمتدادات الجديدة
نتيجة نزوح السكان وهجرتهم للعاصمة.
بعد الاستقلال في عام 1956م صدر قانون تخطيط المدن وتنظيم القرى لسنة 1956م وتلته
اللوائح المنظمة في عام 1957م.
أشهر المخططات التي برزت خلال هذه الفترة الزمنية نذكر منها:-
• مخطط كتشنر 1898م وهو مستمد من فكرة مخطط واشنطن وبعض العناصر العسكرية.
• مخطط ملكين 1908م وهو تعديل لمخطط
كتشنر ومتأثر من أفكار هوارد وقاردن ستى.
• مخطط سار سفليد أول مدير لمديرية الخرطوم في الثلاثينات وهو تعديل للمخططين
السابقين إلا أنه لم ينفذ ما أشار إليه بشأن وضع السكة حديد وسباق الخيل.
العهد الثاني 1956-1990م:
في هذا العهد تعاقبت على الخرطوم ثلاثة خطط عمرانية 1958،1977م ،1990م، اهتم
المخططون فيها بالنمو المتزايد في تعداد السكان والذى تضاعف خلال الفترة عشرين
ضعفاً فكانت الخطة الموجهة والهيكلية التي تم التركيز فيها على تطوير الواجهة
المائية العمرانية المطلة على النيلين وتوفير الأماكن الترفيهية والسياحة والمحافظة
على الآثار والسمات التاريخية والثقافية والوطنية بأم درمان.
اختلفت هذه الخطة في اسلوب المعالجة مع اتفاقها على عدة ثوابت وفق منظور عمراني
يؤكد طبيعة النمو المطرد للمركز الحضري وخصائصه ووضعه العمراني والقومى.
الخطة الموجهة للخرطوم 1958م: (دوكسيادس)
بنيت هذه الخطة على معطيات نظرية تخطيطة تؤكد ديناميكية النمو العمراني وفق نسيج
يربط الحاضر برؤى المستقبل، وذلك في إطار التخطيط الشبكي المتعامد الذى يتيح مجالاً
واسعاً لمرونة النمو وتمديد الخدمات الهيكلية. ولقد أوصت هذه الخطة بموجهات
استراتيجية لمستقبل الخرطوم الحضري آنذاك. ولا تزال القضايا التي طرحت والحلول التي
اقترحت تحمل الكثير من هواجس وتعقيدات تخطيط مركز الخرطوم الحضري في يومنا هذا.
وبناءاً على نظرية دينامكية العمران والمركز المتحرك، أوصت هذه الخطة بإتاحة أكبر
قدر من مساحة النمو المتصل بالمراكز القائمة بمحاذاة النيل جنوباً وعبوراً للنيل
شرقاً وغرباً وربطاً والربط الحركي عبر الطرق والجسور بين أجزاء هذه المراكز مع
الفصل بين الاستعمال التجاري والاستعمال الإداري. ولعل من أبرز السمات لمعالجة
مستقبل المركز، حسب رؤية هذه الخطة، هي المعالجة الجذرية للواجهة العمرانية المطلة
على النيل وأفرعه. وقد طرحت الخطة أنموذجاً واضحاً لاستعمالات هذه الواجهة يؤكد
التمازج بين الماء وما يحفه، وذلك ببسط شريط أخضر على كل الواجهة تقوم عليه فقط
مباني ذات طابع خاص واستعمال متميز.
|