الإمام محمد أحمد المهدي

شخصيات سودانية > شخصيات تاريخة > المهدي

المعلومات الشخصية

محمد أحمد بن عبد الله بن الفحل
مكان الميلاد :
 جزيرة "لبب" بالقرب من مدينة دنقلا

تاريخ الميلاد : 1250 هجرية (1844 ميلادية)

وفاته: توفي في الثاني والعشرين من يونيو عام 1885م متأثرا بمرض لم يمهله طويلا.

 

حياته:

  • أرسل إلى الخلوة ليتعلم القرآن الكريم ومبادئ القراءة والحساب مع أقرانه، وحين بدأ ارتحاله لطلب العلم أراد السفر إلى مصر للدراسة في الأزهر الشريف لكنه تحول في الطريق واستقر بالقرب من مدينة "بربر" شمال السودان، وهناك تلقى قسطا وفيرا من العلوم الشرعية، فأكمل مختصر الخليل ودرس علوم التوحيد والفقه والنحو وحاز علوما كثيرة أهلته فيما بعد لبناء الأسس الفكرية والعقدية للدعوة التي نادى بها.

  • حفظ القرآن على والده ثم درس على الشيخ محمد الخير في الغبش.

  • رحل مع والده إلى الجزيرة أبا حيث كان يعمل في صناعة السفن.

  • اتصل بالشيخ محمد شريف نور الدائم ولازمه عدة سنوات، واختلف معه واتصل بالشيخ القرشي ود الزين وأصبح من تلاميذه.

  • أعلن مهديته عام 1881م.

  • نشبت بينه وبين الأتراك معركة عام 1882م وانتصر عليهم.

  • استسلمت له الأبيض عام 1883م وتم تحرير كردفان.

  • زحف على الخرطوم عام 1884م وكان الجيش بقيادة عبد الرحمن النجومي.

  • حرر الخرطوم وقتل غردون باشا عام 1885م. وجعل أم درمان عاصمة له.

  • ألفى الطرق الصوفية وأسقط المذاهب ونادى بالاجتهاد في إطار الكتاب والسنة.

  • لم يعرف عنه أنه كان يكتب الشعر إلا أن البروفيسور أبو سليم أورد له قصيدة في كتابه (الآثار الكاملة للإمام المهدي) ذكر أنها مكتوبة على ظهر وثيقة تمليك.

  نشأته:

نشأ في أسرة عرفت بالانتماء لآل البيت، وكانت أسرته تعمل في صناعة المراكب. وما لبثت الأسرة أن هجرت موطنها عام 1850م متجهة جنوبا إلى أن استقرت في العاصمة الخرطوم مركز الحكم التركي المصري.
 

اعتناقه الصوفية:

 انضم الفتى محمد أحمد إلى بعض الطرق الصوفية، تلك الطرق التي كانت -وما تزال- تمثل أحد أكبر مقومات النسيج الديني والاجتماعي في السودان، وقد كان يندر آنذاك ألا ينخرط شاب في سلك طريقة صوفية.
وبعد انخراطه في سلك التصوف تعمق في قراءة ودراسة كتب الصوفية، فقرأ للغزالي "إحياء علوم الدين" وتأثر به جداً، كما قرأ لمحيي الدين بن عربي وغيرهما من أعلام التصوف وأخذ نفسه بمنهج صوفي صارم وانهمك في العبادة ونزعت نفسه إلى الخلوة والزهد.


 وبعد تقدمه في سلك الطريقة التي انتمى إليها -الطريقة السمانية- غدا من أقرب المقربين إلى شيخ الطريقة محمد شريف، وأصبحت له مكانة داخل الطريقة ولدى سكان كثير من المدن التي زارها وترك أثرا طيبا في الناس الذين تأثروا بورعه وزهده وشخصيته الآسرة.


ثم انقطع بعد ذلك للعبادة واختار جزيرة في النيل الأبيض اسمها جزيرة "أبا" وهي التي أصبحت فيما بعد منطلقا لدعوته، وفيها زاد إقبال الناس عليه لاشتهاره بالزهد والورع.


وخلال هذه الفترة وقع الخلاف بينه وبين شيخه، فقد كان الشيخ محمد شريف من خريجي الأزهر وله مكانة وحظوة لدى الحكم التركي المصري، وكان الفتى يرى أن حياة شيخه لم تكن تخلو من الترف والبذخ.. وتطور الأمر إلى أن اعترض التلميذ على شيخه عندما أقام حفلا باذخا لختان بعض أولاده، رأى أن فيه ترفا وبذخا وتبذيرا وأنها لا تتفق مع المنهج الصوفي.


وقد أدت هذه الحادثة بشيخه إلى طرده من حظيرة الطريقة السمانية، لكنه حافظ على علاقته بهذه الطريقة عن طريق شيخ آخر هو الشيخ القرشي في منطقة "طيبة" بالجزيرة والذي أعجب به وزوجه ابنته وسلمه مشيخة الطريقة من بعده، فذاع صيت الفتى وأصبح له مريدون كثر.
 

المهدوية:

الواقع أن فكرة المهدي قديمة؛ إذ وردت أحاديث كثيرة بعضها صحيح وأكثرها ضعيف عن المهدي، وهو رجل من آل بيت النبي صلى الله عليه وسلم، يخرج في آخر الزمان ويحكم الأرض، فيملؤها عدلا ونورا كما ملئت ظلما وجورا، هذه الأحاديث لم ترد في الصحيحين لكنها جاءت في المسند وكتب السنن.
وقد جعلها البعض من أساسيات العقيدة، لكنها في الحقيقة من الأمور التي تحدث في آخر الزمان والتي تحدث عنها النبي صلى الله عليه وسلم، وهي من الفروع لا من الأصول التي لا يكمل إيمان المرء إلا بها.


ومن أشهر من ادعى المهدوية في التاريخ الإسلامي المهدي بن تومرت مؤسس دولة الموحدين، ومحمد بن عبد الله السنوسي الليبي قائد الحركة السنوسية، و محمد أحمد السوداني.


وقد كانت ظروف السودان في تلك الآونة وما كان يعانيه السودانيون من جور حكومة الخديوي توفيق التي فتحت الباب للتدخل الأجنبي وأرهقت كواهل المواطنين بالضرائب والإتاوات، إضافة إلى انتشار الظلم السياسي وتفشي الرشوة والمحسوبية والانحراف العقائدي وغير ذلك، كل هذا شكل بيئة خصبة لانتشار دعوة "المهدي" وخاصة في بيئة صوفية كالبيئة السودانية آنذاك.


ومما ساعد في الترويج لفكرة المهدوية في المجتمع السوداني الحجاج النيجيريون الذين كانوا يمرون بالسودان في طريقهم للحجاز، وينقلون عن الشيخ عثمان بن فودي المجاهد النيجيري حديثه عن المهدي الذي يخرج من المشرق ويحكم الأرض ويزيل المظالم.


كل هذا ساهم في الترويج لفكرة المهدي في مجتمع يعاني الظلم والاستبداد ويبحث عن العدالة، فكانت هذه الفكرة وهذا الشخص ملاذا للضعفاء والفقراء الذين يرون فيه مخلصا لهم مما هم فيه، لذا سارعوا إلى تأييده ونصرته بمجرد ادعائه للمهدوية.


وقد سمى "المهدي" أتباعه بالأنصار تيمنا بأنصار النبي صلى الله عليه وسلم من أهل المدينة، وقد عرفوا وما زالوا يعرفون بهذا الاسم في السودان.

 

 ولعل الفكرة - التي جاء بها محمد أحمد وخرج بها على قيادات المجتمع الدينية الممثلة آنذاك في الطرق الصوفية والعلماء الأزهريين- قد رافقها كثير من الغلو والتنطع، فقد اعتبر كل من لم يؤمن بمهدويته غير مسلم، وقد قال بأن الرسول صلى الله عليه وسلم قد جاءه في المنام وقال له: "أنت المهدي المنتظر ومن شك في مهديتك فقد كفر"، وهكذا أصبح الأتراك والمصريون وكل من لم يؤمن بمهدويته كافرا غير مسلم.


هذا الغلو، واجتهادات أخرى خرج بها عن نطاق العرف الفقهي والعقدي المألوف في السودان آنذاك، ألب عليه العلماء وقاموا يتصدون له ويتهمونه بالكذب والبدعة ويؤلبون عليه الحكومة والناس، لكنه لم يعرهم بالا ووصفهم بأنهم أذناب للحكومة التركية "الكافرة".


وقد قامت سجالات عنيفة بين "المهدي" وهؤلاء العلماء الذين كان معظمهم من خريجي الأزهر، لكنها بدلا من أن تؤدي إلى تراجعه عن فكرته أدت إلى إصراره عليها وذيوعها وتفشيها.


هذا الغلو الذي رافق نشأة هذه الحركة ظل حتى سقوط الدولة المهدوية، وقد حاول بعض أتباع المهدي وما زالوا يحاولون الاعتذار عن هذه المسألة وتأويلها والخروج بها عن ظاهرها، كما حاولوا القول بأن مفهوم المهدوية عند محمد أحمد يعني المجدد الذي ينهض بأمر الدين، وليس الرجل الذي يخرج في آخر الزمان.


لكن التاريخ والواقع يقولان خلاف ذلك، فقد كفّر "المهدي" كل من خالفه ولم يؤمن بمهدويته، وحارب الناس على أساس ذلك، كما أنه اعتبر نفسه ذلك الرجل الذي تحدثت عنه أحاديث آخر الزمان.

 

الثورة المهدوية:

توفرت للثورة المهدوية عدة عوامل أدت بها إلى الانتصار والوصول إلى حلم إقامة الدولة في زمن قياسي لا يتجاوز السنوات الأربع، ولعل هذه الفترة القصيرة التي قامت فيها هذه الدولة تنبئ عن التحولات الهائلة التي تمت في هذه الفترة القصيرة، وعن القفزات السياسية التي تحققت لـ"المهدي" وأنصاره.


وأول تفسير لسرعة انتصار "الأنصار" بقيادة "المهدي" هو كراهية السودانيين لحكومة الخديوي توفيق التي سامتهم الخسف والهوان وأرهقت كواهلهم بالضرائب، ولعل هذه السياسة للخديوي توفيق وأمورا أخرى هي أيضا التي أدت إلى اندلاع ثورة أحمد عرابي في مصر عام 1881م في زمن قريب من الثورة المهدوية.


لذا فقد سارع السودانيون بمختلف توجهاتهم للانضمام إلى صفوف الثورة، فأصبح لها بُعد شعبي عظيم تمثل في شيوخ الطرق الصوفية وزعماء القبائل والتجار والمزارعين والرعاة وبقية فئات المجتمع آنذاك، لذا كانت ثمرة هذه الثورة الانتصار الكاسح الذي حققته في زمن وجيز.
وساعد على انتصار الثورة كذلك الوجدان السوداني العامر بالتصوف والمؤمن بكرامات الأولياء والصالحين، فالشعب السوداني ميال نحو التصوف وأهله، وقد قام المهدي بإشعال أوار التصوف في قلوب السودانيين عن طريق مواعظه وخطبه النارية التي ألهبت حماستهم وصنعت منهم جنودا مخلصين يرمون بأنفسهم إلى الموت خلف من يرون فيه قائدا ملهما.


كما أن دعم التجار الشماليين المعروفين بـ"الجلابة" لـ"المهدي"، ووقوفهم بجانبه أعطى الثورة مصادر تمويل ممتازة من هذه الفئة التي كانت تهيمن على التجارة في جميع أنحاء السودان.


ولعل "الكاريزما" التي توفرت في شخص "المهدي" قد ساهمت في إضفاء القبول على حركته وسرعة انتشارها وتحقق القبول لها في قلوب الناس في الوقت الذي استخدمت فيه حكومة الخديوي ضباطا وموظفين أجانب في أعمال الحكومة في السودان مما أدى إلى استفزاز الكرامة السودانية، وأشعل نيران الكراهية ضد هؤلاء الذين كانوا غير مسلمين في الغالب.
فكان أن انتصرت الثورة وأقامت أول كيان سياسي في السودان منذ سقوط سلطنة سنار عام 1820م على يد محمد علي باشا.

 

 استطاع "المهدي" أن يوحد السودانيين خلفه، وانتقل بهم من نصر إلى نصر، وسقطت مدن السودان تباعا تحت حكمه، ففي عام 1883م سقطت مدينة "الأبيض" أكبر مدن غرب السودان في يديه بعد حصار طويل ومعارك طاحنة، وبسقوطها قطع الثوار الطريق بين الخرطوم ودارفور، ثم انضم شرق السودان إلى "المهدي" بقيادة عثمان دقنة أحد زعماء قبائل البجة التي تقطن شرق البلاد، وقد عينه "المهدي" قائدا للشرق.
وكان سقوط الخرطوم عام 1884م بمثابة المسمار الأخير في نعش حكومة الخديوي ومن ورائها بريطانيا، فقد دخل "المهدي" وأنصاره الخرطوم وقتلوا القائد الإنجليزي "غوردون" الذي أراد القضاء على هذه الثورة.


وبهذه المعارك التي خاضها المهدي مع سلطات الخديوي وبريطانيا أثبت أنه ليس مرشدا روحيا بارعا أو زعيما سياسيا ناجحا فحسب، وإنما قائد عسكري محنك استطاع إخضاع تلك البقاع الشاسعة من أرض السودان من البحر الأحمر شرقا وحتى دارفور غربا في زمن قياسي مذهل بالنسبة لعصره، وفي دولة كالسودان تعاني من صعوبة المواصلات والتنقل بين أنحائها مترامية الأطراف.

 

إنجازاته:

  • في الأشهر الخمسة التي تلت سقوط الخرطوم قام "المهدي" بأمور عدة، أهمها: تصفية بقايا الوجود التركي-المصري وإرسال رسائل إلى بعض الملوك والزعماء، منها رسالة إلى الخديوي توفيق نفسه دعاه فيها لاعتناق المهدوية وإلا ستكون عاقبة أمره وبالا.

  •  أسس في هذه الفترة مدينة أم درمان التي أصبحت عاصمة لدولته.

  •  أصدر عملة خاصة بالدولة.

ماقيل عنه:

  • كان الفتي محمد أحمد يتصف بالعناد والتصميم والاندفاع الحماسي نحو الأمور التي يتصدى لها ويمضي في الطريق حتى نهايته. وقد اعترف له أعداؤه بهذه المسألة، يقول القس أهرولد الذي سجن عشر سنوات في زمن الدولة المهدية عن "المهدي": "كان مظهره الخارجي قوي الجاذبية، فقد كان رجلا قوي البنية، سحنته تميل إلى السواد، ويحمل وجهه دوما ابتسامة عذبة، وأسلوبه في الحوار حلو وسلس".

  • ويروي ونجت باشا -مدير مخابرات الجيش المصري- عن قدراته الخطابية فيقول: "إن الرجال كانوا يبكون ويضربون صدورهم عند سماع كلماته المؤثرة، وحتى رفاقه من الصوفية لم يخفوا إعجابهم به، وليس في شكله ما يثير إلا عندما يبدأ الوعظ، وعندها يدرك المرء القوة الكامنة فيه التي كانت تدفع الناس لطاعته".

  • ويقرر المؤرخ السوداني د. محمد سعيد القدال ذلك بقوله: "لقد توفرت لمحمد أحمد صفات متميزة أهلته للقيادة في مجتمع السودان في القرن التاسع عشر، فهو صوفي زاهد يحظى بتقدير الناس ويهرعون إليه طلبا للغوث والبركة، وهذه هي الصفات الأساسية للقيادة في ذلك المجتمع، ومكنته دراساته المتنوعة من امتلاك قدرات علمية ولغوية واسعة، وله جاذبية (كاريزما) يؤثر بها تأثيرا قويا على من حوله، وتضافرت كلها مع نشاطه العلمي وقدراته الذهنية فرفعت درجات وعيه الاجتماعي مما قاده إلى فكرة المهدي المنتظر التي كانت تضج بها جنبات المجتمع، ورأى نفسه الشخص المؤهل لحمل أمانتها".

  • اعتبر الأستاذ قرشي محمد حسن منشوراته بمثابة الأصول والجذور للنثر في المهدية، وأشار أنها تمثل موسوعة أدبية جمعت بين الدين وأدب التصوف الإسلامي.

  • وصف البروفيسور أبو سليم أسلوبه بأنه مباشر لا أثر فيه للتكلف والصناعة.

  • ذهب الأستاذ حليم اليازجي إلى أن أسلوبه يحتل مقام الصدارة في الكتابة النثرية. وقال أنه كان صاحب مدرسة تجريدية في النثر السوداني.

  • جمع البروفيسور محمد إبراهيم أبو سليم كتاباته في كتاب (الآثار الكاملة للإمام المهدي).

  • كتب عنه البروفيسور عبد الله الطيب في كتابه (الاتجاهات الحديثة في النثر السوداني) وذكر  أن منشوراته وانزارته كانت بمنزلة المقدمة أو التمهيد لأسلوب الصحافة في عصرنا.

وفاته:

 توفي "المهدي" تاركا خلفه جدلا كبيرا داخل السودان وخارجه حول ادعائه للمهدوية والغلو الذي جعله يكفر كل من لم يؤمن به، إضافة إلى بعض الاجتهادات الخاصة التي أقرها وألزم بها الناس. لكنه ظل يحظى باحترام أصدقائه وأعدائه على حد سواء لما تمتع به من مؤهلات جعلته الرجل الأول في تاريخ السودان.
وبوفاته بدأ عقد دولته بالانفراط تدريجيا؛ بدءا بتوليته لخليفته عبد الله التعايشي وما جرته هذه الولاية من مشاكل وانقسامات داخلية، مرورا بالثورات التي قامت ضد خليفته، وانتهاء بسقوط الدولة وعودة الإنجليز مرة أخرى بصورة أظهر مما كانوا عليها تحت نفس الغطاء المصري.
مات "المهدي" وهو يلبس الرث والمرقع من الثياب ويسكن بيوت الطين، لكن أبناءه وأحفاده من بعده عاشوا في ترف ونعيم، وتحول كيان "الأنصار" الذي قامت على أكتافه الدولة من الخط الثوري الجهادي في التغيير إلى انتهاج الأساليب السلمية والتُّقية ومهادنة الإنجليز الذين حكموا البلاد إلى حين بزوغ فجر الاستقلال عام 1956م.
 

 
 

 

 
 

موسوعة السودان | موسوعة الصور | موسوعة الكتب والبحوث | موسوعة العلامات التجارية | دليل المواقع السودانية | دليل الهاتف | دليل الخدمات | الدليل التجارى

 
 
© 2008 SUDANWAY.  Privacy Policy  and  Terms of Use  Powered by:  IT Way Co.